صورة تقريبية
صورة تقريبيةما بعد السابع

إضافة أو حذف عشرات المليارات من ثروة أحد أعضاء قوائم المليارديرات التي تصدرها "بلومبرغ" أو "فوربس" لم يعد له صدى كبير كما كان الحال قبل 3 أعوام فقط.

خلال أقل من شهر، أضاف جيف بيزوس أكثر من 100 مليار دولار إلى ثروته، وقفزت ثروة مارك زوكربيرغ بنحو 55 مليار دولار، فيما تبخرت قرابة 200 مليار دولار من ثروة لاري إليسون مقارنة بذروتها التاريخية. وبين هذه الأرقام الضخمة يتكشف مشهد غير مسبوق في تاريخ الأسواق المالية: ثروات تتأرجح بعشرات المليارات، وشركات تتجاوز قيمتها السوقية تريليونات الدولارات، واقتصاد جديد يعيد رسم خريطة الثروة العالمية تحت عنوان واحد هو "الذكاء الاصطناعي".

ما يحدث اليوم لا يشبه دورات التكنولوجيا السابقة. ففي ذروة الإنترنت مطلع الألفية، كانت الشركات العملاقة تقاس بعدد المستخدمين أو الإيرادات المتوقعة، أما الآن فالتقييمات ترتكز على القدرة المستقبلية للذكاء الاصطناعي على إعادة تشكيل قطاعات كاملة، من الحوسبة السحابية والتصنيع إلى البحث والإعلانات والإعلام.

عصر التريليونات

وصل عدد الشركات الأميركية التي تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً خلال السنوات الأخيرة، تقودها شركات التكنولوجيا العملاقة المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالذكاء الاصطناعي. وأصبحت شركات مثل "ميتا" و"أمازون" و"ألفابت" و"إنفيديا" و"مايكروسوفت" و"أوراكل" جزءاً من سباق عالمي على بناء مراكز البيانات والنماذج الذكية والبنية التحتية الحاسوبية اللازمة لتشغيلها.

انعكس هذا التحول مباشرة على ثروات المؤسسين والمساهمين الكبار. فبحسب تقديرات فوربس، قفزت ثروة جيف بيزوس بنحو 102 مليار دولار خلال سبتمبر وحده بعد إعادة تقييم شركتيه الخاصتين "بلو أوريغين" و"Prometheus"، ما دفعه مجدداً إلى المركز الثاني عالمياً بين الأثرياء بثروة قاربت 370 مليار دولار.

لكن اللافت أن معظم هذه الزيادة لم تأت من ارتفاع سهم "أمازون"، بل من ارتفاع القيمة المقدرة لشركات غير مدرجة في البورصة.

الثروة الورقية الجديدة

في الماضي كان المستثمرون يراقبون الأسهم المدرجة فحسب لفهم تحركات الثروة. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد أصبحت الشركات الخاصة مصدراً لا يقل أهمية.

عندما نجحت "بلو أوريغين" في جذب استثمارات رفعت تقييمها إلى أكثر من 130 مليار دولار، وعندما حصلت "Prometheus" على تقييم تجاوز 41 مليار دولار، انعكس ذلك فوراً على صافي ثروة بيزوس رغم عدم بيعه أي أصل أو حصوله على سيولة نقدية مقابلة.

بمعنى آخر، أصبح تقييم شركة خاصة واحدة قادراً على صناعة أو محو عشرات المليارات من الدولارات على الورق خلال أيام.

زوكربيرغ.. الرهان على الذكاء الاصطناعي الاستهلاكي

على الجانب الآخر، جاءت مكاسب مارك زوكربيرغ من السوق العامة مباشرة.

فقد ارتفع سهم "ميتا" بأكثر من 30% خلال سبتمبر مدفوعاً بحماس المستثمرين تجاه المساعد الشخصي الجديد "موس" واستراتيجية الشركة في الذكاء الاصطناعي، لترتفع ثروة مؤسسها بنحو 55 مليار دولار خلال شهر واحد فقط وفق تقديرات فوربس.

ويوضح ذلك كيف تحولت أسواق الأسهم إلى استفتاء يومي على مستقبل الذكاء الاصطناعي. فكلما اقتنع المستثمرون بأن شركة ما ستكون من الفائزين في السباق، ارتفع سعر سهمها وارتفعت معه ثروة مؤسسيها بشكل شبه فوري.

الوجه الآخر للقصة

لكن الاتجاه لا يكون دائماً صعودياً. فلاري إليسون، الذي اقتربت ثروته في ذروة موجة الذكاء الاصطناعي من 400 مليار دولار مع صعود سهم "أوراكل" التاريخي، خسر لاحقاً ما يقرب من 200 مليار دولار من تلك الذروة بعدما تراجعت أسهم الشركة وسط تساؤلات المستثمرين حول حجم الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والعائد المتوقع منه.

وتكشف هذه الحالة جانباً مهماً من الاقتصاد الجديد: فالثروات نفسها التي ترتفع بسرعة استثنائية يمكن أن تتراجع بالوتيرة ذاتها إذا تغيرت توقعات السوق. لماذا أصبحت التحركات أكبر من أي وقت مضى؟

هناك ثلاثة أسباب رئيسية:

أولاً، تضخم حجم الشركات نفسها. فالشركة التي ترتفع قيمتها السوقية 10% وهي تساوي تريليوني دولار تضيف 200 مليار دولار إلى قيمتها السوقية، وهو رقم كان يكفي قبل عقدين لوضع شركة كاملة بين أكبر الشركات في العالم.

ثانياً، تركّز الملكية. فما زال مؤسسو شركات التكنولوجيا يحتفظون بحصص ضخمة مقارنة بما هو معتاد في الشركات التقليدية، ولذلك تنتقل أي حركة في القيمة السوقية مباشرة إلى ثرواتهم الشخصية.

ثالثاً، دخول الشركات الخاصة العملاقة إلى معادلة الثروة. فشركات الفضاء والبنية التحتية والنماذج الذكية لم تعد تنتظر الإدراج في البورصة كي تصبح قيمتها عشرات أو مئات المليارات من الدولارات.

اقتصاد التوقعات

في جوهر الأمر، لا تعكس هذه الأرقام أرباحاً محققة بقدر ما تعكس رهانات على المستقبل.

فالقفزة البالغة 102 مليار دولار في ثروة بيزوس لا تعني أنه حصل على هذا المبلغ نقداً، تماماً كما أن خسارة إليسون نحو 200 مليار دولار لا تعني خروجها من حساباته المصرفية. إنها انعكاس لقناعة المستثمرين بشأن ما يمكن أن تصبح عليه شركات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.

ولهذا يمكن النظر إلى قائمة فوربس للمليارديرات ومؤشرات الثروة اليوم باعتبارها مؤشراً موازياً لثقة المستثمرين في مستقبل الذكاء الاصطناعي. فكلما ارتفعت التوقعات ارتفعت الثروات، وكلما تراجعت تبددت مليارات الدولارات بالسرعة نفسها. وبين الصعود والهبوط، يبدو أن العالم يعيش أكبر عملية إعادة تسعير للثروة منذ ظهور الإنترنت، لكن بأرقام لم يشهدها التاريخ من قبل.